” لا نصل البيوت إلا وقد تبللت قمصاننا واكتوت أجسادنا، ولا يمر يومًا دون أن يصاب أحدنا بالدوار من شدة الحر” يلخص عمار الصردحي طالب في الأساسية بإحدى مدارس محافظة الحديدة غربي اليمن مشقة رحلته اليومية نحو المدرسة تحت رشحات الصيف اللاهبة وجدران الصفوف الخانقة.
يقطع عمار الصردحي طريقًا طويلًا نحو المدرسة رغم قصر المسافة ذهابًا وإيابًا، لكنه يأخذ إستراحة لكل شوط كلما كاد الدوار أن يسقطه، يتحدث الصردحي لـ” Climate Yemen”أخشى التغيب عن المدرسة رغم معاناة الطقس الحار والرطب والفصول الدراسية التي تفتقر إلى أبسط المقومات، حيث أن بيئة الفصل تتحول إلى عبء نفسي وجسدي لا يساعدنا على التعلم بل يدفعه نحو الإعياء أو حتى النفور من المدرسة، وفي حال هطول الأمطار فتزداد المعاناة وتصبح كارثة أكبر..
تتكرر معاناة عمار كل عام في مناطق كثيرة من اليمن خصوصًا لدى طلاب الأرياف الذين يشقون طريقهم بين وعورة الجبال وقسوة تفلبات المناخ، حيث يقف التعليم على حافة الخطر بين الحرب والتغيرات المناخية.
قرار هجري يضاعف المعاناة.
لم تقتصر معاناة العملية التعليمية في اليمن في التدهور الهائل بفعل الحرب وتبعاتها الممتدة منذ أكثر من عشرة أعوام، إذ أن تغيرات المناخ زادت من تعقيد المشهد لتضيف عبئًا جديدًا على كاهل طلاب المدارس خصوصًا في المناطق الساحلية والصحراوية التي صارت مستنقعًا للأمطار الغزيرة وتدفق السيول صيفًا والحرارة الشديدة طوال فترة الدراسة.
على الرغم من ذلك أصدرت وزارة التربية والتعليم في حكومة صنعاء غير المعترف بها دوليًا قرارًا بإعتماد التقويم الهجري لتحديد موعد بدء للعام الدراسي، ما يعني أن الدراسة تبدأ غالباً في شهر أغسطس/آب، وهو توقيت يتزامن مع ذروة الأمطار الموسمية وارتفاع درجات الحرارة، خاصة في محافظات مثل إب والحديدة وحجة.
تسبب هذا القرار في تقديم العام الدراسي نحو شهرين مقارنة بالتقويم الميلادي المعتمد في معظم دول العالم، بل وحتى مقارنة بالمناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دوليًا. ونتيجة لذلك، أصبح طلاب الفترتين الصباحية والمسائية لا سيما في المناطق الريفية عرضة لمخاطر صحية وبيئية متزايدة في ظل بيئة تعليمية متهالكة لا توفر الحد الأدنى من المراعاة والأوقات الماسبة والكافية لمراعاة ظروف التعليم.
في ذات السياق يتحدث نبيل شاهر الصغير مدرس في العاصمة صنعاء لـ”Climate Yemen ” الصيف هنا قاسٍ والفصول الدراسية مكتظة ولا كهرباء في معظم المدارس خصوصا في الأرياف، في هذا الموسم تهطل الأمطار بغزارة وتغمر السيول الطرق وهي نفس الطرق التي يسلكها طلاب المرحلة الأساسية سيرًا على الأقدام و هذا القرار يعرض حياتهم للخطر ويهدد استمرارية تعليمهم.
هشاشة البنية التعليمية
في ظل تفاقم الوضع الإنساني والإقتصادي ومع استمرار انقطاع مرتبات المعلمين منذ تسع سنوات، ما أدى إلى عزوف الكثير منهم عن العمل، وانخفاض جودة التعليم بشكل عام، إذ يَحول ذلك لعدم قدرة المعلمين على تقديم تعليم مستقر ومستمر وذو جودة، وهو مايهيئ بيئة غير مناسبة تجعل غالبية الطلاب يتغيبون أو يتركون الدراسة. بالإضافة إلى ذلك ساهم اعتماد التقويم الهجري لبدء العام الدراسي، والذي يضع بداية الدراسة في ذروة الصيف والأمطار إلى ارتفاع معدلات الغياب والتسرب، خاصة في المناطق الريفية والصحراوية حيث درجات الحرارة المرتفعة والطرق الوعرة تُشكل عائقًا يوميًا أمام الطلبة.
تشير تقارير منظمة رعاية الأطفال إلى أن أكثر من 2426 مدرسة، أي حوالي 15% من إجمالي المدارس في اليمن التي يبلغ عددها 16034 مدرسة، خرجت عن الخدمة بشكل كلي أو جزئي بسبب الحرب والتغيرات المناخية. تم تحويل بعضها إلى ثكنات عسكرية، في حين تعرضت أخرى للقصف المباشر، كما تعاني العديد من المدارس من انهيارات متكررة لمبانيها وتسرب مياه الأمطار من الأسطح، خاصة في المناطق الساحلية التي ضربتها الأعاصير في أغسطس/آب الماضي، مثل محافظة المهرة شرقي البلاد.
على الجانب النفسي يعلق المعلم نبيل الصغير أن الأجواء القاسية داخل المدارس والتحديات البيئية التي تواجه الطلاب يوميا تؤثر سلبا على تركيزهم وأدائهم الدراسي إذ الطلاب يشعرون بالإرهاق والإحباط ما ينعكس على تحصيلهم الدراسي خصوصا في ظل غياب الدعم النفسي والبيئي اللازم.
تداعيات تهدد مستقبل الطلاب
تظل رحلة سير الطالب نحو المدرسة مبعث قلق وخوف تلازم أولياء الأمور على صحة وسلامة أبنائهم خاصة في المناطق الريفية التي تواجه تحديات مناخية حادة، في ظل حالات الإصابة والإغماء المتكررة نتيجة الظروف القاسية داخل المدارس أو في الطرق..
ويعاني معظم طلاب الأرياف من ضغوط إضافية تسهم في مضاعفة نسب التسرب والأمية، وبحسب سمية صالح أم لطالبة من إحدى قرى مديرية العدين بمحافظة إب(وسط اليمن) لـ” أوقات الدراسة تتصادم مع موسم الزراعة، والأهالي يفضلون أن يظل أبنائهم يساعدوهم في الحقول، أنا أحاول بكل ما أستطيع أن أحافظ على دراسة ابنتي، وأدفعها للمواصلة، لكن في قريتنا الوضع صعب، فالطريق إلى المدرسة شاق وإذا أمطرت تتحول لبرك وطين، فتعود ابنتي بملابس كلها موحلة وتتعرض للمرض بكل موسم.
ويؤكد عبدالله عنان وهو طبيب عام : أن المياة الملوثة والرطوبة العالية نتيجة غزارة الأمطار في بيئة تفتقر للصرف الصحي السليم تُسهِم في انتشار الأمراض الجلدية والتنفسية التي تزيد من حالات الغياب المرضي بين الطلاب ما يعرقل استمرارهم في التعليم خلال موسم الأمطار.
وأوضح تقرير حديث صادر عن الجهاز المركزي للإحصاء بصنعاء بأن :”عدد الأميين، ضمن الفئة العمرية من 10 سنوات وأكثر، بلغ 6.3 مليون أمي وأمية، ولفت التقرير إلى أن نسبة الأمية في أوساط النساء تزيد عن 60% في بعض المحافظات في اليمن، معتبراً أن الحديدة تعد الأعلى، حيث وصل أعداد الأميين والأميات فيها إلى أكثر من 1,2 مليون، 62% منها من الإناث.
ويحذر عنان من أن الأطفال الأصغر سناً أو الذين يعانون من أمراض مزمنة هم الأكثر عرضة للتدهور الصحي في مثل هذه الظروف في ظل غياب التنسيق بين وزارتي الصحة والتعليم وغياب أي إرشادات طبية واضحة تأخذ في الحسبان الظرف المناخي عند إقرار التقويم الدراسي.
على الرغم من أن المأساة مجتمعية، وتهم شريحة كبيرة من المواطنين، لكن لايوجد نص قانوني أو إقرار دستوري ينص على ” وجوب إتخاذ إجراءات لحماية صحة الطلاب وحمايتهم من أي مخاطر بيئية في ظل ظروف أو أحداث مفاجئة”. أي لايوجد صيغة قانونية يمكن الإعتراض بموجبها والمطالبة بمراجعة قرار وزارة التربية والتعليم، وهو ما يحول المشكلة إنسانية فحسب، أي يتم النظر لها من باب التعاطف والشفقة فحسب، وهو مايعارض مواثيق حقوق الإنسان العالمية، وحق الطفل في الحصول على التعليم في بيئة مستقرة ومناسبة.
كما يوضح المحامي مروان الغراب المتخصص في التشريعات التربوية وحقوق الطفل: لا يملك أولياء الأمور حقاً قانونياً صريحاً لطلب تأجيل الامتحانات أو اتخاذ تدابير لحماية أبنائهم دون التعرض لعقوبات إدارية، ولا يوجد صيغة قانونية تمنح أي جهة الحق في الإعتراض ومطالبة وزارة التربية والتعليم بتعديل القرار أو التراجع عنه..
ويخلص الغراب إلى أن إعادة النظر في التقويم الدراسي من منظور مناخي لم تعد ترفا، بل ضرورة قانونية وحقوقية لحماية جيل كامل من الطلاب، مطالباً بتعديلات تشريعية تُقرّ بحق الطالب في بيئة تعليمية آمنة وتُحمّل الجهات المسؤولة التبعات عند الإخلال بذلك.
حلول ممكنة
في ظل هذه التحديات المتراكمة، والعبئ المضاف على قطاع التعليم يؤكد خبراء التربية والبيئة على ضرورة تحرك الجهات المعنية بشكل عاجل لتوفير بيئة تعليمية آمنة ومستقرة للطلاب في اليمن. ويقترح الأستاذ العمري الدمامي خبير في شؤون التعليم: ضرورة تحسين البنية التحتية للمدارس من خلال بناء وتجهيز مدارس مقاومة للفيضانات والسيول ومزودة بأنظمة تهوية وتكييف تلائم ظروف الطقس القاسية.
ويشدد الدمامي: على أهمية دفع رواتب المعلمين بانتظام لتحفيزهم على الاستمرار في العمل إضافة إلى تدريب الكوادر التعليمية على التعامل مع التحديات المناخية والتكيف معها، ويرى أن العودة إلى التقويم الميلادي في تحديد مواعيد الدراسة سيُسهم في تجنب فترة الدراسة خلال ذروة موسم الأمطار والحرارة الشديدة مما يحسن من سلامة الطلاب ويزيد من قدرتهم على التركيز.
من جانب آخر ينادي المهندس البيئي كمال عبده ناصر بضرورة تعزيز التوعية المجتمعية حول التغيرات المناخية وأثرها على التعليم والصحة، وتشجيع المبادرات المحلية والدولية لدعم التعليم والبيئة الصحية في المدارس، بالإضافة إلى توفير خدمات الرعاية الصحية والتغذية داخل المدارس.
ويُجمع المختصون على أن التعاون بين الحكومة والمنظمات الدولية والمجتمع المدني هو السبيل الوحيد لتجاوز هذه الأزمة وضمان مستقبل تعليمي مستدام لأجيال اليمن القادمة.


